خطيئة لم تغتفر*
(1)
حينما كان يقترب من بيت الشيخ ابن عمه كان يشعر بغير قليل من الخزي والهوان...لقد تضاءل نفسه حتى إنه همّ غير مرة أن يَرجع أدراجه ويدع ما جاء من أجله...ولكنه يدرك في قرارة نفسه أن ذلك شرّ لابد منه...
رأى هذا البيت في القرية، وإن بني من طين وأعواد أثل...رآه شامخًا فأكبره، وأكبر ابن عمه. كان يلتفت يمنة ويسرة ويغض طرفه كلما التقى بعيون الآخرين وفي نفسه عذاب، وخوف من هذه العيون التي تنظر إليه فيحس بها سهامًا تمزق جسده ونفسه...
ولقد أرْتِجَ عليه، وأحس وكأن قشعريرة البرد تجتاح جسده فتتكادم أضراسه ويحس بلسانه يلتوي قبل النطق، وبالرغم من تأكده من سلامة نطقه بتلفظه ببعض العبارات إلا أن الرهبة لم تزايله...وكلما اقترب من الباب زادت دقات قلبه... حتى إذا وصل إلى الباب طرقه طرقات خفيفة فلما لم يتنبه إليه من في الداخل اشتد في الطرق فانفتح الباب عن صبي ثائر الرأس أشعث أغبر يرتدي ثوبًا ممزقًا قد أحالته الأوساخ إلى لون أسود والذبان تزدحم على أردانه، وترتع في أرجائه. فسأل الصبي عن والده فلم يزد الصبي على أن كسر من جفنيه وأطرق برهة ثم انفتل داخلاً.
وخرجت امرأة متهالكة، وكأنما تنوء بأثقال الدنيا كلها، عرف فيها امرأة ابن عمه الشيخ... فسألها عنه ... ولكنها لم تستطع الكلام أول الأمر حتى إذا تكلمت كان كلامها مبتورًا اجهشت بعده في بكاء مرّ...
لقد مات. مات الشيخ وما سامحهم أو أنه سامحهم وتركهم نهبًا لعذاب النفس والضمير... مات شريفًا كما قضى حياته شريفًا.
(2)
لو كان يجد ما يقيم به أود هؤلاء الصبية الجياع الذين امتص الدهر دماءهم وعصف ببقية ما يكسوهم من لحم، حتى لم يبق غير عظام نحيلة كأعواد أشجار الخريف، كان يستطيع الصبر لولا هذه الوجوه التي تزأر بالشكوى وهذه العيون الجاحظة كأعين الضفادع تفيض شقاءً وألمًا.
ثم هذه المرأة التي لا تكف عن الوضع كل سنة وكأنما تريد أن تكاثر جاراتها، فلئن فاتها حظّ من جمال فإنها ولود يحفل بيتها بالصبية الذين يدخلون إلى نفسها شيئًا من عزاء، وغير قليل من أمل في الحياة، فهم لن يلبثوا أن يكبروا ليقوموا مقام أبيهم الذي اصطلحت عليه المحن، ولم تراع فيه هذه المسكنة وهذا الضرّ. فلم يعطه الله بصرًا يرى به طريقه إلى المسجد أو إلى السوق ولم يعطه الله قوة كجاره الذي كان يشفق على يده كلما هزها للسلام.
وبالرغم من ذلك كله فلم يحرمه الله فضل اعتزاز بالنفس, وحب لهؤلاء الصبية وحب لأمهم الولود. لقد رفض أن يشتغل (فراشًا) خادمًا في إحدى المدارس لأنه شريف، ورجل يحس برجولته، وليس يسهل عليه أن ينْزل بنفسه إلى مثل هذه الأمور...ولولا هؤلاء الصبية لظل قابعة في بيته لا يحتاج إلى كبير عمل، فالخير كثير...وأهل المعروف أكثر مع أنه لا يحب أن يسدي إليه أحد معروفًا...
ولكن الجوع مخيف، وشكوى الصغار تفتت القلوب، والمولود الجديد أوشك أن يطرق الباب، وبعد شهر سيزيد عددهم واحدًا، فمن أين يأتي بالطعام والشراب...؟
لو كان سوق (البلد) كما كان من قبل لأمكنه سدّ أفواههم ببعض التمرات وشيء من الخبز... ولم يكن يصيب من السوق خيرًا يذكر، فقد كان يمسك ببعض أشياء الناس، ويسير ينادي عليها ويعرضها على الناس للبيع وقلما يفيد من عرضه، وقلما احتاج الناس إلى أشيائه، وهو إن باعها فإن ما يطوله أجرة لهذا النصب إنما هي قريشات قليلة، ولكنه يقنع يوم لم يكن لديه هذا الحشد من الصبية، ويوم كان يقوى على الطواف في السوق.
أما اليوم، فكل شيء اختلف: فالصبية زادوا، وهمته ضعفت, وركبه ألح عليها السقام، والسوق ما عاد على نشاطه، فمعظم تجاره الكبار تركوه إلى المدن، ذهبوا إلى الرياض، وجدة بل أوغل بعضهم فذهب إلى الكويت، لم يعد في (البلد) غير هؤلاء الذين ليس لهم غير بلدهم، لا يستطيعون الذهاب إلى غيرها. وكل يوم يمرّ لا يبشر بخير لهذا السوق.
كثيرة الأمور التي كانت تجول في ذهنه وهو جالس أمام زوجته، كان يسند ظهره إلى الجدار ليصيب شيئًا من راحة وليتجاذب أطراف الحديث مع زوجته ففي مثل هذه الساعة كانا يجلسان كل يوم يتحدثان في أمور الصبية ومشاكلهم ويقصّ عليها طرفًا من أخباره في السوق، ويروى لها كيف اجتمعت هذه القروش، فهذا قرش من فلان، وذلك من بدوي، وهذا من صبي، وأما زوجته فإنها كانت (تسف المهافّ)[1] في مثل هذا الوقت. وكانت تفتنّ في أصباغها وإجادة حبكها كيما تنافس بها (مهاف) السوق كلها، وكلما اجتمع لديها شيء منها دفعت به إلى زوجها ليقوم بترويجه، ثم يشتري بثمنها أو بعض الثمن (سعفًا) جديدًا لتسفه...
وفي هذا اليوم جلس مطرقًا وأمضى غير قليل من الوقت وهو صامت لا ينبس ببنت شفة، لم يحدث زوجته عن السوق، ولم يخبرها بما حصل من قروش. فقد كان ثمة شيء يشغله، على أنّ زوجته لم تطق صمته هذا، فلم تعتد على هذا الصمت لقد كان يملأ البيت عليها بصوته الجهوري. لقد شعرت وكأن صمته كابوس على صدرها... ولما لم تجد فيه نشاطًا إلى الكلام ولا همة نحو القول، عولت على الحديث... فسألته عن صمته، واستفسرت عما في ذهنه...
الأولاد يكبرون ولابد من تعليمهم، وهو لا يقوى على نفقات التعليم فهم يريدون ثيابًا جديدة، ويريدون كراسات، وأقلام، وأشياء كثيرة ليست في وسعه وما يكفيهم اليوم لن يكفي غدًا، وهو لن يقوى على التطواف إلى الأبد، إن قوته تقل وتضعف يومًا إثر يوم.
حكى ذلك كله لزوجته. وأنبأها بعزمهه على السفر إلى الرياض عله يجد عملاً أو يصيب ربحًا في سوقها، أو عله يستدين أو يستلف من أبناء عمه هناك.
وكان يطمع ألا يبخلوا عليه، ولكن كيف يستدين، وهو ليس بصاحب تجارة؟ وهل يطمئنون إلى قدرته على أداء الدين؟ ولكن لا بأس من المحاولة، وما يمنعهم من إعطائه ما يريد وهو إنسان شريف تقي...
وقد آنست زوجته شيئًا من الارتياح لهذا الخاطر فقوت من عزمه، وشدت من أزره، ودفعت إليه ببعض ما تبقى لديها من حلي قديم يستعين بها على سفره ودفعت إليه بعض المهاف ليهديها إلى أبناء عمه...
وفي الصباح كانت تودعه، وتدعو له بالسلامة والتوفيق.
(3)
لقد ندم أن فكر في السفر، فما كان يدور بخلده أنهم سيواجهونه بهذا الإعراض، وما حسب أن سيهان في بيت بني عمه. لقد تمنى لو أنه مات قبل هذا وكان نسيًا منسيًّا، بل ليته سقط في الطريق أو توفي قبل الرحيل. كيف لم يذبحوا لمقدمه خروفًا! إنها المرة الأولى، أنسوا ضحاياهم من الخرفان كلما ألموا بالقرية زائرين؟! كان يفرح بمقدمهم ويذبح لهم ما تيسر على ضيق ذات يده.
والذي ملأ نفسه غمًّا أن يفسروا هديته ذلك التفسير وأن يتهموه في مقاصده ونواياه...
أكل ذلك لأنه لا يجد ما يقيم به أوده، أو يصلح به عباءته الرثة، وأسماله البالية؟
لما أراد أن يستدين منهم مالاً ضحكوا منه وسخروا به. واعتذر أعقلهم بتفرق مالهم بين الناس، ولو أنه جاء في غير هذا الوقت لكان أيسر عليهم.
كان همه بعد ذلك أن يقضي ليلته تلك ثم ينفتل راجعًا إلى أهله فما عاد بحاجة إلى دين ولا تجارة الرياض ولا أهلها... لقد كره كل شيء.
ولكن أبناء عمه لا يجدون له مرقدًا في بيتهم. لأنه رجل كثير الورع والدين فسيكلفهم من أمرهم عسرًا، فهو رجل يقوم لصلاة الفجر، وهم لا يعرفون للصلاة معنى، وليس يسهل عليهم النهوض معه ومجاملته والصلاة. ذلك أنهم يمضون شطرًا من ليلهم يلعبون (البلوت) وصخبهم لن يرضي هذا الشيخ (القروي).
فأين ينام؟ في المسجد... هذا عار، ماذا لو علم بذلك أحد معارفهم؟ إذن فليس أمامهم غير مكان واحد...
الدكان، فلينم في الدكان.
ونام الشيخ في الدكان، وقضى ليلة تنازعتها المصايب، فأفكاره وهواجسه ثم نباح الكلاب الذي لا يكف، وصفّارة (العسة)[2].
حتى إذا جاء الصباح نهض وفتح الدكان، وخرج يطلب محطة السيارات يريد السفر إلى (البلد).
وكم كان ساذجًا، لقد ترك الدكان مفتوحة، لقد حسب أنه في قريته حيث الأمان، حيث لم يعتد أحد أن يمد يده إلى شيء، فصاحب الدكان يفتح بابه وينصرف إن شاء الانصراف، ويوكل جاره أمر البيع إلى أن يعود.
(4)
جاء أبناء عمه، فإذا بالدكان مفتوحة، وإذا بدرج النقود قد فتح، وإذا بعض النقود قد ذهب، وإذا بعض الأشياء قد اختفت، واحصوا ما فاتهم من النقود فإذا به لا يزيد عن أربعة آلاف ريال ولا ينقص.
هذا هو المبلغ الذي أراده ابن عمهم، فأين هو الآن؟
لم يعسر عليهم معرفة السارق، ولا أين هو... فهو صاحبهم الذي بات في الدكان، وأخذ بغيته لما منعوه، وانصرف تاركًا الدكان مفتوحة ليخفي معالم الجريمة أو ليصرف النظر إلى غيره. ولم يكن يسهل عليهم أن يلحقوا به فهو لاشك قد أخذ طريقه إلى بلدته، ثم من يثبت عليه أمر السرقة. ومهما يكن فهو ابن عمهم، ورفع أمره إلى القاضي أو الشرطة فضيحة لهم.
ثم بدا لهم من بعد ذلك أن يلاطفوه ويستردوا المبلغ منه بالحسنى فهم يكتبون إليه بعد شهر كتابًا يرجونه فيه أن يعمل على أداء ما استلفه منهم ذلك أنهم في ضائقة، ويعدونه خيرًا...
ولم يتردد الشيخ في بعث المبلغ كاملاً، فهو ليس كزًّا تتشنج أصابعه عند العطاء، وحمدوا الله على سلامة نقودهم بعد أن كادوا ييأسون منها.
(5)
كان الأمر يمر سهلاً هيّنًا عليهم، لولا أن أحدهم وقف ذات مرة في (الحراج) وقف يريد أن يشتري ما يحلو له من أثاث فقد كان من عادته أن يشتري ويبيع، ولكن الحراج اليوم مزدحم، والناس في اضطراب وصخب فهناك أشياء جديدة معروضة للبيع، إنها ليست من سقط المتاع، وكان صوت (الدلاّل)[3] يتردد عاليًا وكانت الأرقام تزيد في ثمن هذه الأشياء تباعًا...
شق طريقه ونفذ إلى حيث كانت المعروضات، فما راعه إلا أن وجد مفقودات دكانهم هنا... في الحراج، وجدها تباع أو في سبيل البيع. فأمسك بخناق الدلال وأخذ يهزه هزًّا عنيفًا ويوسعه شتمًا، وكاد يخنقه لولا أن تدخل القوم، وتوقف البيع واستدعيت الشرطة، وادعى أمامها أن هذه الأشياء له وهي من دكانه. ولما أثبت بالشهود أنها له اعترف الدلال بأنه أخذها من أحدهم ودلهم عليه.
كان الذي دفع بها إلى الدلال رجلاً أبله لا يعقل من أمره شيئًا وكان الناس يعرفون فيه هذا، وردت الأشياء إلى الدكان، وسألوه عن النقود فأحضرها كاملة لم يمسها سوء.
حمل أكبرهم النقود ومثلها معها وأخذ طريقه إلى محطة السيارات ثم إلى قرية ابن عمه.
* مجلة الفكر،كلية الآداب-جامعة الملك سعود، 1393ﻫ /1973م، ع2، ص31-36.
[1] المهاف جمع مهفة وهي مروحة من سعف النخل قلبه وسفه نسجه بالمخالفة بين سعفه المشقق وقد يلون بعض السعف ليكون للمهفة شكل جميل.
[2] العسة رجال يسهرون في الشوارع لحراسة ما فيها من دكاكين.
[3] الدلاّل من يرفع صوته وهو يدعو الناس لشراء بضاعة بين يديه وكأنه يدلهم عليها.